أبي منصور الماتريدي

505

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كان الحال بخلاف ذلك الوصف ؛ بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه ؛ قال الله - تعالى - : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ الآية [ الغاشية : 21 ] ، أمر بالتذكير « 1 » على الإطلاق « 2 » . ثم قوله - تعالى - : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يحتمل وجهين : أحدهما : أن ذكر فقد نفعت الذكرى ، وهو كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء : 108 ] ، ومعناه : قد كان وعد ربنا مفعولا . وقد نفعت الذكرى ؛ لأنه بتذكيره أسلم من أسلم منهم ، وبه فازوا ، وبه نالوا الدرجات العلى ، وقال تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذاريات : 55 ] . أو يكون قوله - عزّ وجل - : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى فسيأتي على أقوام [ حالة ] لا تنفعهم الذكرى لديها ، وتلك حالة المعاينة لبأس الله وعذابه . وقوله - عزّ وجل - : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ، أي : يتعظ بها من يخشى الله تعالى أو المعاد ، قال الله - تعالى - : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ الأنعام : 92 ] ، أي : بالقرآن ، وذلك أن الذي يحملهم على الإيمان بالآخرة إيمانهم بهذا الكتاب ؛ لأن في القرآن تذكيرا « 3 » للآخرة ، وأمرا بالاستعداد لها ؛ فلذلك خشيته تحمله على الاتعاظ بالذكرى والانتفاع بها ، والخشية هي الخوف اللازم في القلوب . وقوله - عزّ وجل - : وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى : أضاف التجنب « 4 » هاهنا إلى الأشقى ، وهو الشقي ، وفيما ذكر الأتقى أضاف التجنب « 5 » إلى نفسه بقوله : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [ الليل : 17 ، 18 ] ؛ فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله - تعالى - وفي الأول دلالة منع إضافة الشرور إليه ؛ وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله تعالى تخرج مخرج الشكر له ، وهو حقيق بأن تشكر نعمه ، وليس في إضافة الشرور إلى آخر شكر له ؛ فلم يصح « 6 » أن تضاف إليه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ، أي : لا تنقضي عنه أفعال الموت ، وهي آلامها وأوجاعها ، [ بل ] يبقى في آلامها أبدا ؛ قال الله - تعالى - : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ

--> ( 1 ) في ب : بالتذكر . ( 2 ) في ب : إطلاق . ( 3 ) في ب : تذكرا . ( 4 ) في ب : التجنيب . ( 5 ) في ب : التجنيب . ( 6 ) في ب : يصلح .